الثقافة والفن

أحلام ستغانمي: جزائر الغد تبنى اليوم ونحن لا نعرف كيف نقول للجزائر نحبك

الكلمة التي ألقتها الأديبة أحلام مستغانمي أمام الحضور بمناسبة تكريمها:
______________________
أيها الحضور الكريم، من عائلةِ الفن والأدب والإعلام.
جميل هذا المساء بكم أحبتي، مُكرّمين، ومَدعوين.
سلام لمبدعي الجزائر الحاضرين منهم والغائبين. إلى كلِّ من أهدانا نبضه، وأرَقَه، ونذَرَ أعواماً من عمره للإمساك بفكرة، ولإلقاء القبض على دمعة، مطاردا من الكلمات.
نحن هنا في حضرة التاريخ، فعلى مدى أجيال انتظر المبدع الجزائريّ أن يُربِّت الوطنُ كتِفَه، ويقول له “صحّيت”، أن يضمَّه ويوشوِشَه “نشتيك.. وراني معوّل عليك”، فكما يدافع جيشنا عن الجزائرِ مرابطا على حدودِها، حاميا أمنها وسيادتها، على مدى أجيال كان كتّاب الجزائر وفنانوها، هم حماة إرثِها وفرسان قلمها.
تطول قائمة الكتـاب والمبدعين الجزائريّين الذين، جيلا بعدَ آخر، شكّلوا بأعمالهم جحافل قوات خاصّة، مهمتها الذودُ عن هويّة الجزائر ورفع رايتها.
من أجلِ هؤلاء جميعا نحن هنا. ذلك أنّ لنا ديْنا تجاه الرعيل الأول، الذين أعطوا الكثير ورحلوا عاتبين، بعدما انتظروا طويلا من الوطن التفاتة عرفان و غادرونا دون أن يسعدوا بوسام كهذا يتوّج عمرا من التفاني.
لذا، ونحن نحتفل بيوم الفنان، وما يحمله من معاني الوطنية والإبداع، أرفعُ باسمي، وباسم كلِّ المكرَّمين اليوم، كلَّ آيات الامتنان إلى فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على مبادرته الكريمة هذه، التي كنّا نتمنّاها، بل ونتوقّعها منه هو بالذات، لانفتاحه على الآداب والفنون، وتشبّعه بالثقافة العالمية، ولما يُعرف عنه من حرصه على تقصّي أحوال الكتّاب والمبدِعين الجزائريّين، والسؤال عن آخر إصداراتهم، ومباركة نجاحاتهم.

ليس كثيرًا على الجزائر التي تضم أكثر من أربعين مَليون جزائري، أن يكونَ لها أربعونَ مُبدعاً ومفكّراً وفنّانا هم أهل لأن تُباهِي بهم، لكونهم حماة الإرث الإبداعيِّ، والتراث الجزائريِّ، هذا التراث الأكثر تميُّزا وثراءً بتنوُّعه. فالدفاع عن هويّتنا ما عاد اليوم مشروعا ثقافيا، بل هدفٌ سياسيٌ نحنُ جميعًا معنيّون به في عالم يقف على الرمال المتحركة. لذا أغتنم فرصة توجُّهي لهذا الطاقم الحكوميِّ الكريم وعلى رأسه السيد رئيس الوزراء، لأجدّد مَطلباً مازلتُ منذ عشْرِ سنواتٍ أُلِحُّ في تقديمِه، باعتماد يوم رسميٍّ للزيّ التقليديِّ الجزائري. ولمَ لا يكون هذا اليوم يوم عيد الاستقلال، الذي استعدنا فيه سيادتنا؟
نريد يوما نشهر فيه حُبَّنا للجزائر، نرتدي فيه أزياءنا، ونرفع أعلامنا، ونربّي فيه الأجيال القادمة على حب الوطن. ذلك أننا نعاني من عجز عاطفي، ولا نعرف كيف نقول لهذا الوطن إنّنا نحبُّه، ولا هو يعرف كيف يُحِبُّنا. ما يذكّرني بأستاذي جاك بيرك في السوربون، قبل ثلاثين سنة، حين قال “لا وجود لبلاد متخلفة، بل بلاد تخلف أبناؤها عن حبِّها”.
يحضرني هنا أيضا قول آخر لجبران “إنّ تكريم الكاتب ليس في أن تعطيه ما يستحق بل في أن تأخذ منه ما يعطي”. لذا أتمنّى أن يكون تكريمنا بإعطائنا إمكانية تجسيد أحلامنا على أرض الوطن. نريد أن نمنح فرصة خدمة وطننا ، ونقل ما اكتسبناه إلى الجيل القادم .
أحبّتي، إنَّ جزائر الغد تبنى اليوم، و ليس للأحلام الكبيرة متطلّبات كثيرة، حلمنا أن نُسلّم المشعل لنَشْءٍ وطنيٍّ مثقّف وموهوب، تكون له الجزائر أمًّا حاضنة، يكفي أن نثق بالمواهب الخارقة التي يتمتّع بها شبابنا، ونوفّر لهم ظروف الإبداع، وحينها سنكون أمامَ جزائر مذهلة، متفوقة، وواثقة. وسيكون لنا جيل بأخلاق وطنية، يحترم أسلافه من كبار المبدعين، لا يتطاول على تاريخهم النضاليِّ، ولا يستبيح خصوصيّتَهم، ولا يغتالهم معنويّاً.
إن المبدعين ، هم القوة النابضة في الوطن ، وهم رمز رقيها. لذا تحمي الأمم أصحاب الفكر كما تحمي المعالم الوطنية، وتحتفي بميلاد كاتب أو شاعر احتفاءها باكتشاف منجم، أو ثروة طبيعية .
ذلك أن الأوطان تنسب لكتابها كما تنسب لقادتها، فرنسا بلد فيكتور هيغو كما هي بلد نابليون، وبريطانيا بلد شكسبير، وروسيا موطن بوشكين، ودغستان ما كان العالم ليسمع بها لولا رسول حمزاتوف، وألمانيا ما فتئت تحرص على الإنتساب لنيتشه وغوته، لتغطي بعبقريتهما على زمن كانت تنسب فيه لهتلر .
لذا نأتمنكم على رموز الأدب الجزائري و مؤسّسي مجده الأدبي والفني. نأتمنكم على حبرهم، فحبرهم دمهم.
أخيراً، شكراً لحضوركم الجميل في هذه الأمسية الرمضانيّة. وشكراً لمن شرّفوني بتكليفي إلقاء هذه الكلمةِ نيابة عن إخوتي المكرَّمِين. لكم جميعاً معزّتي.
عشتم وعاشت الجزائر .
أحلام مستغانمي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق