واسيني الأعرج يرثي الطبيبة بوديسة التي توفيت وهي حامل بفيروس كورونا

0
347

نشر الروائي الجزائري واسيني الأعرج رثاء في حق الطبيبة بوديسة وفاء التي توفيت وهي حامل في شهرها الثامن بفيروس كورونا بسطيف عن 28 سنة؛ وجاء في رثائه المنشور على حسابه الخاص على الفايسبوك بأن من قتلوها قتلونا جميعا.

  • كتب: زبير فاضل 

واستهل الروائي الجزائري واسيني الأعرج رئاه بجنلة ياللغة الفرنسية تقول “في سن ال28 لا نموت يل نحلم”. وهذا نص مقاله.

A 28 ans, on ne meurt pas, mais on rêve.

الذين قتلوك، قتلونا جميعا.
مأساة الطبيبة وفاء بوديسة
بقلب موجوع أكتب عنك. مواطنة بسيطة كما الملايين، لولا الموت الظالم لما ذكرها أحد.
أكتب عن واحدة من بين آلاف الطبيبات والأطباء والممرضات والممرضين والمسعفات والمسعفين، الذين يموتون يوميا في صمت وهم يؤدون واجبهم اليومي، ويواجهون مأساة فيروس كورونا بصبر وشجاعة، وأحيانا بدون كمامات ولا أقنعة طبية حقيقية، بينما فيالق الجهلة والغوغاء يتقاتلون على الزلابية والبسة العيد، ويتدافعون في الأسواق، ويحفرون قبورا عميقة ليس لهم فقط ولكن لذويهم أيضا.
بأية لغة أتحدث عنك يا وفاء؟ بلغة الأقدار. موتك ليس قدرا هاربا ولكنه قدر وراءه مسؤولية أفراد. الذين سجنوك هناك مع مرضى كورونا وأنت حامل، في شهرك الثامن، يتحملون المسؤولية كاملة. وضعوك في فوهة الموت، ونسوك هناك.
كنت أعرف أن الوضعية الصحية في بلادنا كارثية. وأن المسؤول على قطاعها نفسه لا يؤمن بها. كلما سعل أحدهم، أفردت له طائرة خاصة تأخذه باتجاه أوروبا، على حساب الدولة ومال الشعب، هذا الشعب الذي يموت عند أبواب المستشفيات. أعرف أيضا أن الطبيب الذي يموت اليوم، بشكل مفجه، قبل أقل من سنة ضربوه وسحلوه في الشوارع لأنه خرج ينادي بضرورة الإصلاح الصحي. هكذا كان منطق العصابة وما يزال. ما تزال سلطة العصابة في كل القطاعات، بل تعود بقوة في الكثير من المواقع الصحية والاجتماعية والثقافية مكونة مافيا جديدة تحمي بعضها البعض.
أبكيك يا وفاء هذا المساء وأنت تموتين بشكل ظالم وكان يمكن إنقاذك بقليل من التفهم لوضعك الصحي. ماذا كان يكلفهم أن يمنحوك عطلة أمومة؟ أو يغيروك خارج مصلحة الأمراض المعدية؟ أو يستجيبوا لتضرعات والدم الطي لم يسمع لنداءاته أحد.
أبكيك وأنت تنسحبين من هذه الدنيا مثقلة بجنين عمره ثمانية أشهر، لا ذنب له سوى أنه جاء في زمن لم يكن مطلقا له. زمن موبوء صنعوه هم ثم اختفوا في العواصم الأجنبية وسجون الخمسة نجوم.
أبكيك لأني لا افهم كيف يموت إنسان مليء بالحياة في هذا العمر؟ في 28 سنة يا وفاء نحلم بعالم أجمل مليء بالألوان والنور والشمس وسلة أطفال معشقة بالورود في هذا العمر ينسحب الموت في طريقنا لأننا نملك الطاقة والحب لكسره.
أبكيك يا وفاء لأني أعرف أنه غدا فجرا، أو الليلة سيبرؤون منك وسيقولون هي اختارت العمل في جناح مرضى كوفيد 19، فهم لا يملكون حتى جرأة الاعتراف بأخطائهم.
– أبكيك يا وفاء لأن وزير الصحة ليس أكثر من درويش يضرب خط الرمل لكي يزول فيروس كورونا بدل الحجر الكلي الذي كان بإمكانه أن ينقذ البلاد ويربحا وقتا كبيرا.
أبكيك يا وفاء وأنت تودعين ابنتك وتوصي عنها عمتها للاهتمام بها لأنك لن تعودي هذه المرة على بيتك وتفرحي لها بعد عناء يوم صعب.
أبكيك لأنك كان يمكن أن تكوني أختي الصغيرة أو ابنتي التي تفخر بها العائلة أنها تخطت كل العقبات وأنهت دراستها بإرادة من حديد.
كنت في الإسعافات، أي العلاقة المباشرة مع الموت وفيروس كورونا، أبكيك لأنك أنت أيضا كنت في حاجة إلى من يسعفك في شهرك الثامن.
أبكيك لأنك تعرفين أن المخاطر كبيرة، لأنك كنت مؤمنة بما تفعلين، وكانوا يتضاحكون خلف الأبواب عما كنت تفعلين؟
أبكيك لأنك في الوقت الذي كنت تمنحين فيه الحياة لكل من كان في حاجة إلى ساعديك وقلبك ولطفك، كانوا يمنحونك وساما من الدرجة العليا اسمه الموت.
أبكيك لأنك أديت واجبك الطبي، وكنت في مستوى قسمك، لكنهم بدل أن يريحوك قليلا راحوا يقايضونك في أيام العمل والاستراحة.
أدينهم بكل ما أملك من قوة لأنهم قتلوك قبل فيروس كورونا. كيف يمكن لطبيبة حامل في شهرها الثامن أن توضع في قسم الإسعافات، حتى ولو أرادت، لأنها بلا اية مناعة؟
أدين الذين أسعفتهم بكل ما تملكين وعندما انكسرت لم يسعفك أحد.
أدينهم لأنهم قتلوا إطارا طبيا سخر حياته كلها للخير، قتلوا أما كانت تنتظر ابنها الثاني لتسعد عائلتها بالحلم الممكن في ظل هذا الرماد، وقتل زوجة هدفها الأسمى أن تسعد كل من يحيط بها وتمنح الجميع السكينة والحب، يتّموا طفلة صغيرة تعد الأيام في انتظار عودة أمها، قتلوا جنينا بريئا خطؤه الأوحد أنه جاء في زمن رمادي لم يكن له صنعوه هم ثم هربوا يعيدا يتأملون مشهد حرائق وطن فصلوه على مقاسهم. نهبوه ثم تركوه هيكلا عظميا. .
سيبكون وينتقل الوزير إلى عين المكان ويصدر قرارا بإقالة الفيزيبل المدير أو احد أعوانه، لكن من يرجع وفاء إلى ابنتها وعائلتها؟ سيصور التليفيزيون ويهدد المسؤول كل من تسول له نفسه يتخطي قوانين الجمهورية ثم يغلق، في انتظار ملف آخر.
أبكيك يا وفاء وأنا لا أعرفك، لأني في هذا المساء أشعر كأني فقدت اقرب إنسان لدي في العائلة.
لروحك الرحمة والسلام ولقلبك الكبير كل السكينة
واسيني/ 15/05/ 2020

أترك تعليق