مقالات

لماذا سيترشح بوتفليقة لعهدة خامسة؟

ناصر جابي

كل الدلائل تشير إلى أن بوتفليقة يريد عهدة خامسة، حتى وهو في هذا الوضع الصحي المتدهور. فقد انطلق الرجل منذ شهور في حملة انتخابية مبكرة وهو في نهاية سنته الأخيرة، من عهدته الرابعة. فاتجه إلى الفئات الشعبية في المدن الكبرى لكسب ودها عن طريق توزيع السكن الاجتماعي، رغم الوضع المالي الصعب للبلد. وفي الوقت نفسه الذي اتجه صوب منطقة القبائل للاعتراف باللغة الامازيغية التي أصبحت لغة رسمية ووطنية بتكريس دستوري.
زاد بوتفليقة على ذلك بالاعتراف بـ»الناير» عيدا وطنيا ورسميا، والإعلان عن تكوين أكاديمية للعناية باللغة الامازيغية، سترى النور هذه الأيام. المهاجرون الجزائريون في فرنسا استفادوا هم كذلك من هذه الحملة الانتخابية المبكرة عن طريق ادماجهم في سياسة السكن بمختلف صيغه (يشاركون في الانتخابات الرئاسية منذ استقلال البلد).
مناطق وفئات اجتماعية معروف عنها حيويتها السياسية وقربها من المعارضة، حتى إن تميزت مشاركتها في الانتخابات، بالضعف واللامبالاة. عكس سكان المناطق الجنوبية الذين تميزوا على الدوام بمشاركة قوية، رغم وزنهم الديموغرافي الضعيف. أبناء الجنوب الذين استفادوا هم كذلك في المدة الأخيرة من نتائج هذه الحملة الانتخابية، بعد أن وعدهم الرئيس بتحويل عدة ولايات منتدبة إلى ولايات كاملة، بما يحمله هذا القرار معه من وظائف وخدمات لأبناء هذا المناطق الفقيرة، التي يفضل النظام السياسي التعامل معها وتسييرها عن طريق الزوايا ونخبها التقليدية الدينية من أعيان ومشايخ.
الرئيس الذي قرر في إطار الحملة نفسها الخروج من «مكتبه» أخيرا للقيام بتدشين عدة مشاريع والتواصل، من بعيد مع المواطن، كما فعل منذ شهر وهو يدشن جامع كتشاوة ومحطة ميترو في العاصمة، وأخيرا وهو يدشن مقر الزاوية البلقايدية الهبرية، ومشروع بناء المسجد الكبير، قبيل شهر الصيام، خروج أكد الوضع الصحي الحرج للرئيس عكس ما كان مقصودا به. على الرغم من كل هذا هناك بعض الجزائريين، على قلتهم، من النخب السياسية والحزبية من لا يزال يعتقد أن بوتفليقة لن يترشح مرة خامسة، نظرا لوضعه الصحي المتدهور، الذي لا يتحسن مع الوقت، كما هو ظاهر بالعين المجردة. وإن كل ما يقوم به هو حملة للتمويه لصالح مرشح آخر؟ لم يتم الكشف عنه حتى الآن! سيناريو صعب التصديق لعدة أسباب منها ما هو متعلق بشخصية الرئيس نفسه وبثقافته السياسية وبمؤسسات اتخاذ القرار داخل النظام السياسي الجزائري نفسه وطريقة عملها. فهذا السيناريو يفترض أن هناك مؤسسات فاعلة، يمكن أن تتدخل لفتح النقاش داخلها، حول العهدة الرئاسية الخامسة، يمكن أن تحد من طغيان الشخص على المؤسسة. في حين أن الملاحظة اليومية تقول إن كل مؤسسات الدولة معطلة عندما يتعلق الأمر بقرار الرئاسيات، بما فيها مؤسسة الجيش (المخابرات في حقيقة الأمر وقيادة الجيش العليا) التي تم تحييدها بشكل واضح، في سنوات حكم الرئيس بوتفليقة الأخيرة. ناهيك عن البرلمان والحكومة ومجمل الأحزاب التي بدأ بعضها في اعلان تأييدها للرئيس في عهدته الخامسة، قبل أن يترشح رسميا ويعلن عن قراره! مؤسسات على استعداد لمبايعة أي رئيس على رأس السلطة، يريد أن يترشح إلى ما لانهاية.
سيناريو عدم الترشح الذي تؤمن به أقلية من النخبة الجزائرية، لا يراعي من جهة أخرى ثقافة الرئيس التي تجعله لا يتصور أن يكون خارج السلطة بعد الوصول لها 1999. تحت أي ظرف وباسم أي حجة. هو الذي لم ينس كيف أُبعد من السلطة، بعد وفاة بومدين ولم يعد اليها إلا في ظرف خاص، فرضته أزمة النظام، بعد استقالة الرئيس ليامين زروال المفاجئة، التي خلقت اضطرابا إضافيا للنظام السياسي الذي كان يمر أصلا بأزمة عميقة، وصلت إلى حد اغتيال رئيس الدولة (بوضياف) والإعلان عن رئاسة جماعية.
ثقافة سياسية تجعل بوتفليقة لا يراعي مصالح العصبة المصلحية والجهوية التي دعمته خلال فترة حكمه الطويلة، التي يمكن أن تتضرر إذا رفض الرئيس أن يقوم بترتيب أمور خلافته وهو على قيد الحياة. ترتيب تريده العصبة الحاكمة أن يكون لصالح أحد أبناء المنطقة وليس خارجها. بعد أن استشرت الجهوية بشكل مفضوح خلال عهدة الرئيس بوتفليقة الذي غيَر على أرض الواقع موازين القوى داخل مؤسسات الدولة لصالح أبناء جهته، بل مدينته التي سيطر أبناؤها وبناتها على مواقع السلطة والسيادة داخل المؤسسة العسكرية والمدنية. مواقع تسمح لهم بإنجاز مهمة تاريخية يقوم بها كل من وصل إلى مواقع السلطة في الجزائر: تحويل المال العام إلى مال خاص في أسرع وقت ممكن. موازين قوى جهوية هي التي ستحسم الصراع على موقع الرئاسة في وجود بوتفليقة أو غيابه، حسب هذا التصور الذي لا يتوقع أن يبتعد أبناء المنطقة على المواقع المحتلة. وسيدافعون بشراسة عن مواقعهم التي افتكوها خلال فترة حكم ابن جهتهم الرئيس بوتفليقة ضد أبناء جهويات أخرى سيطرت لوقت طويل على مواقع السلطة.
«الركود أحسن من الفوضى»، هو الشعار الذي يكون بوتفليقة قد اقنع به المحيط الدولي السياسي، المباشر للجزائر الذي يأتي على رأسه أوروبا وفرنسا تحديدا، عند الكلام عن رئاسيات 2019 التي يريد أن تكون محطة فقط في استمرارية الوجوه نفسها والنظام نفسه. عملية اقناع لم تكن صعبة في وقت لم تتوقف هذه الدول عن الاستفادة اقتصاديا من علاقاتها مع الجزائر، رغم المنافسة الصينية التي تكيفت معها هذه الدول، ليس في الجزائر فقط، بل في كل افريقيا، التي تحتل فيها الجزائر مكانة حساسة يراد لها أن تقوم من خلاله بدور «الحاجز البشري» بين الضفتين، بين أفقر دول العالم (دول الساحل) وأغناها على الضفة الشمالية للمتوسط (دول أوروبا الغربية). إقناع أوروبا بأن «الركود السياسي أحسن من الفوضى» لم يكن صعبا، مع ما هو حاصل في الإقليم من عدم استقرار (ليبيا ودول الساحل وحتى سوريا البعيدة) يمس مباشرة الأمن الأوروبي، لا يراد له أن يتوسع ليشمل الجزائر في هذه المنطقة التي تحول فيها التغيير السياسي إلى مرادف للفشل والفوضى والعنف، خارج الاستثناء التونسي.
فشل ترفض أوروبا أن يتكرر مع الجزائر بالذات لما يميز علاقاتها بأروبا من خصوصيات حضور بشري وقرب جغرافي ودور إقليمي يراد للجزائر أن تستمر في لعبه، وهي راكدة سياسيا إذا اقتضى الأمر.
كاتب جزائري

(عن القدس)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق